فخر الدين الرازي
572
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
النسب ، أو المجموع مثلا ، وإذا كان كذلك فلا يقدح ذكر الثيب في المدح لجواز أن يكون المراد مثل ما ذكرناه من الثيب . / ثم قال تعالى : [ سورة التحريم ( 66 ) : الآيات 6 إلى 7 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 6 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 7 ) قُوا أَنْفُسَكُمْ أي بالانتهاء عما نهاكم اللّه تعالى عنه ، وقال مقاتل : أن يؤدب المسلم نفسه وأهله ، فيأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر ، وقال في « الكشاف » : قُوا أَنْفُسَكُمْ بترك المعاصي وفعل الطاعات ، وَأَهْلِيكُمْ بأن تؤاخذوهم بما تؤاخذون به أنفسكم ، وقيل : قُوا أَنْفُسَكُمْ مما تدعو إليه أنفسكم إذ الأنفس تأمرهم بالشر وقرئ : وأهلوكم عطفا على واو قُوا وحسن العطف للفاصل ، و ناراً نوعا من النار لا يتقد « 1 » إلا بالناس والحجارة ، وعن ابن عباس هي حجارة الكبريت ، لأنها أشد الأشياء حرا إذا أوقد عليها ، وقرئ : وَقُودُهَا بالضم ، وقوله : عَلَيْها مَلائِكَةٌ يعني الزبانية تسعة عشر وأعوانهم غِلاظٌ شِدادٌ في أجرامهم غلظة وشدة أي جفاء وقوة ، أو في أفعالهم جفاء وخشونة ، ولا يبعد أن يكونوا بهذه الصفات في خلقهم ، أو في أفعالهم بأن يكونوا أشداء على أعداء اللّه ، رحماء على أولياء اللّه كما قال تعالى : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] وقوله تعالى : وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ يدل على اشتدادهم لمكان الأمر ، لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر اللّه تعالى والانتقام من أعدائه ، وفيه إشارة إلى أن الملائكة مكلفون في الآخرة بما أمرهم اللّه تعالى به وبما ينهاهم عنه والعصيان منهم مخالفة للأمر والنهي . وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ لما ذكر شدة العذاب بالنار ، واشتداد الملائكة في انتقام الأعداء ، فقال : لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ أي يقال لهم : لا تعتذروا اليوم إذ الاعتذار هو التوبة ، والتوبة غير مقبولة بعد الدخول في النار ، فلا ينفعكم الاعتذار ، وقوله تعالى : إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني إنما أعمالكم السيئة ألزمتكم العذاب في الحكمة ، وفي الآية مباحث : البحث الأول : أنه تعالى خاطب المشركين في قوله : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ وقال : أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [ البقرة : 24 ] جعلها معدة للكافرين ، فما معنى مخاطبته به المؤمنين ؟ نقول : الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار ، فإنهم مع الكفار في دار واحدة فقيل للذين آمنوا : قُوا أَنْفُسَكُمْ باجتناب الفسق مجاورة الذين أعدت لهم هذه النار ، ولا يبعد أن يأمرهم بالتوقي من الارتداد . البحث الثاني : كيف تكون الملائكة غلاظا شدادا وهم من الأرواح ، فنقول : الغلظة والشدة بحسب الصفات لما كانوا من الأرواح لا بحسب الذات ، وهذا أقرب بالنسبة إلى الغير من الأقوال . البحث الثالث : قوله تعالى : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ في معنى قوله : وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فما الفائدة في الذكر
--> ( 1 ) في مطبوع التفسير الكبير للرازي ( يعقد ) والمثبت من « الكشاف » ( 4 / 128 ط . دار الفكر ) .